بقلم: عبدالله فرحان
بعد أكثر من عقد من الحرب في اليمن، لم يعد المشهد قابلًا للاختزال في صراع بين طرفين. الواقع يعكس شبكة معقدة من القوى المحلية والإقليمية، حيث تتداخل المصالح والنفوذ، بينما تتراجع مساحة الأمان، خصوصًا بالنسبة للمدنيين والصحفيين.
تُتهم جماعة أنصار الله (الحوثيين)، المدعومة من إيران، بفرض سيطرة أمنية مشددة في مناطق نفوذها، تشمل الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، وتقييد حرية التعبير. لكن هذه الصورة لا تكتمل دون النظر إلى بقية الأطراف.
ففي مناطق خاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي تحظى بدعم من السعودية، لا تبدو الأوضاع مختلفة جذريًا.
إذ تشير تقارير متعددة إلى أن بعض التشكيلات المرتبطة بالحكومة، أو العاملة ضمن إطارها، شاركت أيضًا في ممارسات طالت مدنيين وصحفيين، شملت التضييق، والاعتقال، والتهديد، في ظل ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القرار.
كما أن قوى مدعومة من الإمارات، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الأحزمة الأمنية، واجهت اتهامات بإدارة مراكز احتجاز غير رسمية، وممارسة ضغوط على النشطاء والإعلاميين. وفي الساحل الغربي، تبرز قوات طارق صالح كفاعل عسكري ضمن هذا المشهد المعقد.
في المقابل، يرتبط حزب الإصلاح، القريب من جماعة الإخوان المسلمين والمدعوم سياسيًا من قطر، بدور فاعل في بعض المناطق، وسط اتهامات متبادلة بين القوى المختلفة، تعكس حجم الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه.
أما في شرق اليمن، فتحتفظ سلطنة عمان بنفوذ غير مباشر في محافظة المهرة، من خلال علاقات محلية وقبلية، ما يضيف بعدًا آخر لتعقيد المشهد.
ضمن هذه البيئة، لا يعيش الصحفي في اليمن تحت تهديد جهة واحدة، بل في مساحة مفتوحة على المخاطر.
فأي مادة صحفية قد تُفسر كاستهداف لطرف ما، وتؤدي إلى رد فعل قد يصل إلى التهديد أو الملاحقة.
بصفتي صحفيًا، لم تكن هذه المخاطر مجرد قراءة نظرية بالنسبة لي.
في عام 2017، وخلال عملي الإعلامي، تعرضت لتهديدات وحملات تكفير بسبب نشاط مهني، وهو ما يعكس طبيعة المناخ العام الذي لا يتسامح مع العمل الصحفي المستقل.
اليوم، يمكن القول إن العمل الصحفي في اليمن بات في حد ذاته مخاطرة.
فالحياة بالنسبة للصحفيين أصبحت أقرب إلى مساحة مهددة باستمرار، في ظل تعدد الجهات المسلحة، وغياب الحماية القانونية، وانهيار مؤسسات الدولة.
في هذا السياق، لم تعد الحقيقة مجرد مسألة نقل خبر، بل أصبحت موضع صراع بحد ذاتها.
كل طرف يسعى لفرض روايته، بينما يجد الصحفي نفسه عالقًا بين هذه الروايات، دون ضمانات حقيقية لحمايته.
وبينما تستمر الحرب، وتتشابك الأدوار بين القوى المحلية والإقليمية، تبقى النتيجة واحدة:
بيئة غير آمنة، حيث يدفع المدنيون والصحفيون الثمن الأكبر.

